مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
95
شرح فصوص الحكم
( فمن شهد الأمر الذي قد شهدته * يقول بقولي في خفاء وإعلان ) أن يتكلم قولي في أيّ حال كان لأن ما شهدته مطابق بنص قرآن ( ولا تلتفت قولا يخالف قولنا ) وهو قول بعض أهل النظر ( ولا تبذر السمراء في أرض عميان ) أي لا تقل قولي لمن كان أعمى قلبه وهو قوله تعالى : لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] فإنه لا تنبت المعارف الإلهية في أرضهم ( هم ) أي العميان ( الصم والبكم الذين أتى بهم لإسماعنا المعصوم ) فاعل أتى المعصوم وهو محمد عليه السلام ( في نص قرآن ) وهو قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] ( اعلم أيدنا اللّه وإياكم أن إبراهيم عليه السلام قال لابنه إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصافات : 102 ] والمنام حضرة الخيال فلم يعبرها ) من العبور أو من التعبير فحمل ما رآه على ظاهره كما هو عادة الأنبياء فظن أن الحق أمره ذبح ابنه فباشر الذبح إطاعة لأمر ربه ( وكان ) ما رآه ( كبشا ظهر في صورة ابن إبراهيم عليه السلام في المنام ) لمناسبة بينهما في الانقياد والتسليم ( فصدق إبراهيم الرؤيا ) بمباشرة الذبح ( ففداه ) عن ابنه ( ربه من وهم إبراهيم عليه السلام ) من أنه وهم إبراهيم عليه السلام أن ما رآه ابنه وإلّا لا فداء في الحقيقة ( بالذبح العظيم الذي هو ) أي الذبح العظيم ( تعبير رؤياه عند اللّه وهو ) أي إبراهيم عليه السلام ( لا يشعر ) أن الذبح الذي أتى به عند قصده ذبح ابنه وهو تعبير رؤياه فقال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) ( فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر ) وهو العلم الحاصل من التجلي الإلهي ( يدرك به ما أراد اللّه بتلك الصورة ) واستدل على ذلك بحديث الرسول عليه السلام فقال : ( ألا ترى كيف قال رسول اللّه عليه السلام لأبي بكر رضي اللّه عنه في تعبيره الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا فسأله أبو بكر أن يعرفه ما أصاب فيه وما أخطأ فيه فلم يفعل عليه السلام ) حكاية الرؤيا مذكورة في كتب الأحاديث ( وقال اللّه تعالى لإبراهيم عليه السلام حين ناداه وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) [ الصافات : 105 ] ) أي قد جعلت رؤياك صادقا في الحس باعتقادك ومباشرتك بحسب اعتقادك وليس المراد برؤياك ما أخذته بل المراد غير ذلك ولم تطلع على ما هو المراد من رؤياك . دع نفسك عن ذبح ولدك فإنك قد ذهبت إلى غير سبيل رؤياك بأن كنت مصدّقا للرؤيا بقصد ذبح ولدك وما كان في علمي أن تذبح ولدك فإني قد حرّمت ذبح الإنسان وليس لك ذبح في علمي إلا الكبش الذي رأيته في صورة ولدك ولو صبر إبراهيم عليه السلام وطلب علم ما رآه من اللّه لنزل الكبش إليه البتة إذ هو المعجزة المخصوصة المقدرة في العلم الأزلي فكان المراد من الرؤيا عند اللّه غير ابنه ولو كان المراد هو ابنه لقال حين ناداه : وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ بالتخفيف في الرؤيا أنه ابنك ( وما قال له صدقت ) بالتخفيف ( في الرؤيا أنه ابنك ) ولما لم يقل ذلك بل قال له : صدقت الرؤيا علمنا أن ما رآه ليس ابنه وأن الفداء فداء عن ذهن إبراهيم عليه السلام وإنما قال : قَدْ صَدَّقْتَ